المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خيانة في رسائل .. لـ نجيب محفوظ ..!!!


هيفاء الزامل
09-02-2008, 04:41 AM
أقصوصة مصرية
"هذه أول أزمة تصيب حبنا نعم طالما آلمني الفراق الهين وأجهدني الشوق إلى اللقاء وعذبني
الدلال؛ أما الوداع أما الرحيل إلى قنا فهذا أمر جديد يدفع إلى نفسي شعورا بالحزن لا عهد لها به فهلا
عدلتِ عن هذا السفر....؟"
"لو كان ا لأمر إلى ما رغبت نفسي أدنى رغبة في السفر فما أحفل بقضاء الشتاء في أعلي الصعيد
بعض احتفالي بالقرب منك كيما أواصل هذا اللقاء السعيد؛ ولكن ما حيلتي وهذا ما يريد ه أبى ويفعله
منذ أحيل إلى المعاش. ولقد اعتاد أن يمضي شهرًا أو شهرين من الشتاء في قنا عند عمي الدكتور..".
"يستطيع عقلي أن يتصور المعجزات ولكن لا أستطيع أن أتصور ما عسى أن تكون عليه حياتي
هذين الشهرين فهذا الحب غدًا حياة لشعوري وهذا اللقاء أمسي ألفة لنفسي أجد فيها راحة بعد تعب
وعزاء عن شوق دائم فما عسى أن أصنع.”كيف.ما يكون زادي وسلوتي...؟"
فوضعت يدا خمرية ناعمة على كتفه وداعبت بأطراف أناملها خده وهمست في أذنه:
"هذا شعوري وهذا حزني ولولا كراهيتي للعزاء لنصحت لك بالتعزي والتلهي ف ليس أمامنا سوى
الصبر الجميل حتى ينطوي دهر الفراق ويتصل حبل اللقاء... ومع هذا فما أسعدك وما أبأسني.. ."
"كيف....؟"
"لن أسعد بقراءة كلمة لك طوال مدة غيابي لأنك لا تستطيع أن تكتب إلى أما أنت فتستطيع أن
تطلع على همسات روحي كلما مكنتني الفرص من اختلاس الكتابة إليه.... فأينا أسعد حظا...؟"
"من تؤاتيه فرص التعبير فيخفف عن مراجل عاطفته".
وهنا ظللت وجهه سحابة كدر وسألها بعد تردد:
"هل لك أبناء عم ؟ ....."
فابتسمت ابتسامة دلت على أﻧﻬا سرت للقلق الذي بعث هذا السؤال وأجابته:
"نعم لى .... ولكنهم لم يجاوزوا عهد الطفولة لو كان الأمر كما تتوهم ما أوجب أدنى خوف أيها
الرعديد الغيور ... والآن هات فمك أودعك... وهيا نقول معًا هذه الكلمة المروعة التي تفرع لها
القلوب:
"أستودعك الله...."
من الغد يصبح له في قنا حبيبان عزيزان : حبيبة القلب عائدة، وصديق الصبا وزميل عهد الدراسة
الأستاذ أحمد مرزوق المدرس بمدرسة قنا ولكنه بينما يتصل بصديقه بالكتابة فهو محروم بحكم الظروف
من تمام هذا الاتصال الروحي بحبيبته لأن حبهما ما يزال سرا خفيًا لما يَدْر بأمره الأهل...
وانقضت أربعة أيام على سفر عائدة ثم وصله منها كتاب جاء فيه:
"حبيبي حسنى !
أعجب لهذه الوحشية كيف تجثم على صدري وأنت معي ... نعم أنت معي لم تفارقني لحظة سواء
في ضجيج النهار أو في سكون الليل؛ معي وأنا أرسل الطرف من نافذة ا لقطار أشاهد الحقول الممتدة
وأشجار النخيل المبعثرة؛ معي وأنا بين أهل عمي أتلقى الأحاديث وارد عليها وأضاحك هذا وأسمع
لذاك؛ معي في كل مكان وكل حين فلا عجب لنفسي بعد ذلك أن هزها الحنين إليك أو استشعرت
وحشة وضيقًا في البعد عنك، أو ألهبها الشوق عذابًا وجوى.
وأرجو ألا تتهمني بالتكاسل عن الكتابة إليك فبيت عمي عامر بالأطفال وهم لا يتركونني لحظة
أخلو إلى نفسي؛ وقد انبعثت كلمات هذا الكتاب من شعوري وامتلأ ﺑﻬا عقلي وتمثلت في حواسي
وحفظتها عن ظهر قلب قبل أن تؤاتيني الفرص فأسطرها لك خلسة على ضوء القمر المتسلل من نافذة
حجرتي والعيون قد أغمضها عني المنام .فاعذرني أن أن تأخرت عنك رسائلي وارجع أن شئت إلى قلبك
فاعتقادي أنه يملى عليك عن لساني ما أحب أن أقوله لك دائمًا.
أما عن قنا فجوها دافئ جميل وخلا ذلك فنحن في منفي ولولا ما يربح ه أبي فيها من صحة وعافية
ما تركته يسكن إليها لحظة من الزمان ".
فأخذ من الكتاب كل ما استطاع أن يمنحه من العزاء والسلوى والسعادة.
وكان صديقه مرزوق لا نقطع عن مراسلته وأن خلت كتابته من الطرافة والجدة فهي التحيات
المحفوظة وبث الأشواق والتلهف على أدبار العام الدراسي وإقبال العطلة الصيفية إلا أنه أضاف إلى
هذه المحفوظات في آخر كتاب له ما نصه:
"طالما قلت لك أني أعيش في قنا كما عاش أبونا آدم قبل أن يخلق الله منه أمنا حواء لا يقع بصري
على وجه امرأة قط وأن كنت أرى أحيانًا بعض الأصدقاء يشيرون إلى كتلة من الثياب السوداء الملفوفة
تسير كعمود من الدخان الكثيف وأسمعهم ي قولون: أنظر إلى المرأة ... ولكن وقع بالأمس ما يعد حد ثًا
تاريخيًا في حياة قنا إ ذ حضر الدكتور سامي حسني مفتش الصحة إلى البستان العمومي وفي صحبته غادة
جميلة سافرة الوجه فهز البلد وزلزل كياﻧﻬا . أنه رجل جسور لا يعبأ بآراء المتزمتين وتجده دائمًا على
استعداد للرد على تطفل المتطفلين بما يجعله مث ً لا وعبرة ولم يلبث أن شاع الخبر وملأ الأسماع فهرع
الشبان الموظفون من مدرسين ومهندسين وكتبة إلى البستان وهم يسوون أربطة الرقبة ويحكمون أوضاع
الطربوش على رؤوسهم فلو رأيت البستان حيث ذاك لحسبته حديقة غناء في مصر الجديدة أو قصر
النيل.
أﻧﻬا شابة جميلة تحمل في طياﺗﻬا عطر القاهرة العبق فليهنأ قفر قنا ﺑﻬذا القطر العذب...."
فخفق قلبه لدى مطالعة الكتاب ولم يداخله أدنى شك في معرفة صاحبة الشخصية الجميلة التي
أثارت لوعة الشباب في قنا.
يا له من كلام يحمل فر حًا وألمًا والألم فيه أكثر ! أيجوز أن تسعد قنا ومن فيها بحبيبته ويبقى هو في
القاهرة تسيل نفسه حسرات عليها...
وهم أن يكتب لصديقه كتابًا يعلنه فيه بأن الفتاة التي هز مقدمها قنا هي حبيبته اليوم ثم خطيبته
وزوجه غدًا ولكنه جفل من هذا الإعلان ووجد رغبة خفية أن يكتمه إياه وأن يطلب منه أنت يوافيه
بأخبارها التي تستحق الرواية والحديث.
لقد تردد لحظة وطرح على نفسه هذا السؤال: ألا يعد هذا تجسسًا منه على حبيبته؟
وهل يجوز هذا في شرع المحبين ؟ ... أو ليس الأفضل أن يربأ بنفسه عن أن يضع صاحبته موضع
الاﺗﻬام والظنة ؟...
ولكن عاطفة الندم هذه لم تستطع أن تقهر عو اطف قلبه الجياشة السوداء فطردها من نفسه
وكتب إلى صديقه بما أملت شكوكه من بادئ الأمر.
وبعد حين وصله كتاب ثان من صديقه جاء فيه عن عائدة مايلي:
"تغيّر كل شئ في قنا وكل شئ في حياتي . لم تعد قنا قبرًا موحشًا فاغرًا فاه مكشرًا عن أنيابه؛ ولم
تعد حياتي سأمًا ثقي ً لا متص ً لا. كيف لا يكون هذا وأنا مطمئن إلى أني سأحظى أصيل كل يوم برؤية
ذلك الوجه السافر المبتسم الذي يحيى موات النفوس ويبعث مصفر الأمل... ما أجملها وما أعذﺑﻬا...
علمت الآن أﻧﻬا ابنة أخو مفتش الصحة، أو هذا ما علمته قنا عامة وعلمه شباﺑﻬا خاصة . أن جميع
العيون ت لتهمها التهام الجوع فلعل هذه الضجة تثير الغيرة في نفوس الآباء الموظفين فتشجعهم على
الاستهتار بتقاليد الصعيد وأهليه وإبراز بناﺗﻬم للعيان ومهما يكن من الأمر فنحن الرابحون.
لا تخشى على أخيك من قهر، فهو بطل صنديد وشخصية لا يشق لها غبار وأن عينىّ لتنفذان من
بين العيون جميعًا وتجذبان عينيها إلى فصبرًا ولتعلمن بعد حين في أي مخبأ من مخابئ القدر كانت تنتظره
هذه المفاجآت ! ..."
ما هذا الذي يقول مرزوق من أن عينيه تجذبان إليه عينيها ؟ . أن لعيني مرزوق أن تجذبا كيف
تشاءان. أما عينا صاحبته فما بالهما تنجذبان وتستجيبان ؟ ... هلا يكون ذلك مجرد نظر برئ فسره
صديقه على ما يهوى غروره ويحب ؟ .... أنه لا يشك أبدًا في إخلاص عائدة ولكن ينبغي ألا ينسى
أن لصاحبه عينين جميلتين يحس الناظر إليهما سخونة في أعصابه ولذعة في قلبه وهو – إلى ذلك –
مدرس محترم من حملة الدبلومات العالية ومن ذوي المستقبل السعيد . أما هو فلم يزد على أن يكون
موظفًا صغيرًا كل مؤهلاته شهادة البكالوريا ومستقبله مظلم محدود أفلا يكون لجميع هذه الفوارق أثر
في الحب ؟ ...
أنه يشعر بحزن عميق يخيم على نفسه فيجعلها من الكآبة كنفس هرم متشائم ويحي بسم الغيرة
ينطلق من قلبه ويلوث دمه... أواه... أن أحلامه وآماله تترجح على كف رجيم...
وفي ذلك الوقت أتاه كتاب من عائدة فأنكب عليه بلهفة وتلاه مرة بعد أخرى ولم يكن يخرج في
معناه عن رسالتها الأولى فتزعزعت شكوكه وعاودته الثقة وذاق بعض الطمأنينة والشفاء، وجمّل غرور
صديقه إثم ما جنى عليه كتابه من الشك والعذاب، ولكنه تسلم رسالة من صديقه بعد ذلك بأسبوع
جاء فيها:
"كن على يقين من أن العاطفة النامية لم تعد قاصرة على جانب واحد فعين ا الفتاة – واسمها عائدة
– تقتحمان الحاضرين من الشبان وتستقران علىّ أنا . أني أطالع في وجهها عند حضوري سيما الشوق
والتطلع تح اول أن تخفيها بعدم اكتراث مفتعل وأقر أ في عينيها استجابات خفيفة لرسائلي الصامتة الملتهبة
واستشف أحيانًا على فمها ابتسامات خفيفة ولعلها تخاطب عمها أو أحد أبنائه الصغار بصوت
مسموع وعي تعنيني . لا تدهش لأقوالي هذه فأني أطاردها في إصرار وأتتبعها في عناء وأخاطبه ا بصوت
مكتوم تنبئ عنه شفتاي المتحركتان وابعث إليها بإشارات الشكوى والرجاء وقد اقتربت منى مرة وهي
تلاعب كفلا من أبناء عمها وسمعتها تقول له أو لي أن شئت : " دائمًا في أعقابي فماذا تصنع لو رجعت
إلى مصر ؟ ....”. فقلت لها ﺑﻬمس مسموع : " لعلك لا تعودين ...." أﻧﻬا ك لمة ذات مغزى خاص إذا
قالها شاب أعزب موظف مثلي . وقد كان لها الأثر الجميل . والآن أفتني فأنك خبير طبيب عالم بأحوالي
هل أقدم أم حسبي ما ذقت من لذة بريئة وأولى ظهري ودًا لن ينتهي بالتئام ...؟ أن ثمرة الحب ناضجة
دانية تنتظر من يقطفها فما رأيك ؟ ...."
== يتبع ==

هيفاء الزامل
09-02-2008, 04:42 AM
يا للظلام .... يا للألم الساخر ... عبثًا يحاول دفع هذه الآيات بالشك والتكذيب فعائدة بلا ريب
هي التي لا تستطيع مغالبة الشوق بالتستر وعدم الاكتراث المفتعل وهي التي تحادث الغير وتعني اﻟﻤﺠدود
من الرجال وهي التي تجيب عيناها الإجابات الخفية...وهي تسكرها سيرة الزواج.
فيا للظلا م ويا للخيبة القاتلة ... والأدهى أنه يريد منه أن يكون مستشارًا في مأساة قلبه ...ولعله
يرجو أن يشير بما يقطع خيط العنكبوت الذي يمسك بكفة أحلامه وسعادته ... فيا للسخري ة من
المستطاع أن يحاول إنقاذ سعادته فيعلن صديقه بالحقيقة الساخرة ويضع آماله بين يدي شهامته و ما
يعهد فيه من الإخلاص والمروءة ولكن كبرياءه تأبى عليه أن يكون في حبه من المسترحمين السائلين وهو
يندفع برغبة جنونية نحو جحيم العذاب كأنما غ دًا يستطيب النار الموقدة؛ وأبى إلا أن يعرض حبه لأقسى
امتحان. فأما إلى نعيم الطمأنينة وإما إلى أهوال العذاب وعليه فقد تمالك وكتب إلى صديقه:
"إذا كانت ثمرة الحب ناضجة فاقطفها بلا تردفان حكمة الدنيا لنذوب حسرة على ثمرة حب
ناضجة يزهد فيها الإنسان أقدم ولا تبال بالنتائج ا لبعيدة وتمتع بالحب في منفي قنا ولا تحملن نفسك
هموم التفكير في الغد ولا تغفل عن تزويدي بكل جديد فأني أصبحت من تتبع حبك على حب شديد
."
وأنتظر رد صاحبه بصبر نافذ وجزع لجوجحتى وافاه منه كتاب جاء فيه عن عائدة مايلي:
"بوركت من حكيم سديد الرأي لقد اتبعت نصحك أي ها الأخ وضربت لها موعدًا همسًا ووافيت
إليه في صباح اليوم الثاني وأنا حائر بين الشك واليقين بين اليأس والأمل؛ ولكن لشد ما كان فرحبي
عند ما رايتها قادمة والحقيقة أﻧﻬا كانت مترددة مذعورة على رغم خلو المكان الذي يوحي بالطمأنينة
في خفية عن أعين الرقباء وبلغ ﺑﻬ ا الذعر أﻧﻬا مرت بي غير ملتفتة إلى يدي الممتدة كأﻧﻬا جاءت لغير
موعدي فتبعتها وحييتها وطمأنتها حتى قالت لي مضطربة:
" لا أدري كيف جئت .. كيف أطعتكم أنني مضطربة ..." فهدأت خاطرها وسكنت اضطراﺑﻬا
ولاطفتها بما أوتيت من بيان ومران وحماس حتى أفرخ روعها واطمأنت.
لقد تحدثنا طوي ً لا ج دًا ولو أردت أن أسطر لك ما دار بيننا ما انتهيت وما وسعتني الأسطر؛
فحسبك أن تعلم أﻧﻬا فتاة جميلة رشيقة حلوة المعشر مهذبة الطباع وأ ن كانت تغلب عليها حدّة
الإحساس وتوقد العاطفة والذهاب مع الخيال . وقد حامت بمهارة حول موضوع الزواج فجاريتها بخفة
ولباقة لا ﺗﻬويان ﺑﻬا إلى قرار اليأس ولا تعلوان ﺑﻬا إلى عقد الميثاق وعند الافتراق تناولت منها قبلة شهية
خلت لحلاوة جدﺗﻬا أﻧﻬا أول قبلة تنالها شفتاى....."
أنتهي الأمر وتبددت الأحلام وخابت الآمال وقضت على قلبه الذي أنتهي طوي ً لا بأفراح الحب
أن يتجرع آلام اليأس والخيبة.
وانقطعت عنه رسائلها ولكنه كان على علم متصل بأحوالها من رسائل صديقه التي جاءته تترى
وقد كتب إليه في إحداها:
"أنا – باختصار – سعيد ج دًا فحياتي مليئة بالبهجة والمسرة، وعائدة خير عزاء عن الوحدة
والوحشة في هذا المنفي السحيق وأني كلما أذكر أني سأحرم هذ ه المتعة بعد شهر يشيب شعري من
الهول وأضمها إلى صدري بشغف وألتهم منها قبلات ملتهبة كأني أختزن منها ما أعود إليه عند الفراق .
أما هي فتعتقد أﻧﻬا لن تعود إلى القاهرة أو أﻧﻬا تعود لكي ترجع إلى إلى الأبد فمن يدريها أن لي خطيبة
تنتظرني في القاهرة من سنوات طويلة...
وﺑﻬذه المناسبة أقول لك أن عائدة من اللاتي وهبهن الله دلا ً لا وفتنة ولكنها على قدر غير هين من
الاستهتار والترق أما خطيبتي شابة حيية هادئة الطبع وعلى خلق عظيم وأني أدخرها للزواج وأنا
سعيد".
وكتب إليه في رسالة أخرى:
"معذرة أيها الصديق عن تأخير غير مقصود؛ والح ق ماذا أقول لك ؟ .. فالحياة الجميلة هي
هي...لقاء فأحاديث فمداعبات فتقبيل وعناق فوداع ولقاء . أﻧﻬا غدت مجنونة بي وكلم ا مرت ساعة
اشتد ﺑﻬا الجزع وتكاد تنطق جوارحها : أن اذهب إلى والدي وخاطبه في حبنا لأكون كون لك طول
العمر.
أﻧﻬا أمنية طبيعية ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه..."
ثم كتب إليه بعد حين:
"قومت الألفة تلعثم الحياء وصيرت التلميح تصريحًا وأمست عائدة تلح على أن أكلم أباها لتتخذ
علاقتنا الصبغة الشرعية المقدسة وكانت حياتي تكون السعادة نفسها لولا هذه المنغصات.
والحق أنى أجد بين يديها سادة صافية جعلتني شديد ال عطف عليها وبعث ت في الضمير ألما مبرحًا .
وأنه ليسوءني ما أبيت لها من نية الغدر والهجر لأني في الحقيقة لم أر فيها أكثر من ملهاة ممتعة أسكن
إليها في هذا المنفي القصى . وما أشبه غرامي هذا بغرام الرحالة الجواب تتعدد وعوده تعدد ما يجوبه من
البلدان. وما يثير النفس يا صديق ي أني – أول أمس على أثر عودتي من لقاءها – جلست إلى مكتبي
شاردًا أقلب بعض الكتب فما راعني إلا ديوان شوقي تنشق صفحاته عن صورة حفظتها فيه وكدت
أنساها هي صورة خطيبتي بوجهها الصبيح الجميل وقد سطر على ظهرها بخط جميل " تذكار الوفاء "
فأنه سوط عذاب ألهبني نا رًَا ألا فليغفر الله ما تقدم من ذنبي وما تأخر أيتها الحبيبة والحق لقد اضطربت
فؤادي وألقيت على الصورة نظرة ذعر سريعة ثم أخفيتها عن عيني أو أخفيت عيني عنها لأنه وقع في
نفسي أﻧﻬا تعلم بخبيئتي وأﻧﻬا تصوب نحوي نظرة لا تعيش أمامها الخيانة ".
وكتب إليه في رسالة أخرى يقول:
"لست فتى عصريا كما كنت أعتقد ول و أني كنت كذلك لما هالني الغدر ولا كبرت على نفسي
الخيانة ولسهل على اصطناع الوداد للفتيات اصطناع تحيات الصباح والمساء لهذ ا تجدني معذ بًا موزع
القلب فلا أنا بالراضي على نفسي لأني نكثت ميثاق خطيبتي ولا أنا بالسعيد بما ألقى من حب عائدة
التي رماني تفانيها في هاوية من الندم.
ولا يخف ي عليك أن الملل عرف طريقه إلى نفسي وأنب بت منه في سقام؛ وقد كان ذلك مقدورًا
ولكن ما الذي عجل به ؟ .. لعله ذكرى خطيبتي أو لعله أني أقبلت على مائدة إقبال مفهوم جائع
فامتصصت حلاوﺗﻬا في رشفة أ و ربم ا كان ذلك لأن جمالها طلاء لا يخف ي من ورائه شخصية ذات ﺑﻬاء
وجلال ".
ثم كتب:
"أمسى اللقاء غير ذي متعة لأني من ناحية بت أغاني من السأم وإرهاق الضمير، ومن ناحية
أخرى فالفتاة تصر على مخاطبتي في شأن الزواج ولا تكاد تصبر عن هذا الموضوع فرمت بي في الحرج
والحيرة و ينتهي موعد اللقاء ونحن لم نفرغ من الجدل العقيم والتضييق السقيم والاعتذار والتهرب
المفضوحين ".
وأخيرًا كتب إليه يقول:
"لأول مرة أخلف الميعاد وأني لأعذر نفسي وأغبطها وأرجو أن تفهم الفتاة أن هذا مني اعلان
بالقطيعة ولم يكن من هذا بد بعد أن بلغنا في علاقتنا موض عًا ينبغي أن يتقرر فيه المصير فإما إلى يمين وإما
إلى شمال وما كان ينبغي لي أن أختار من جديد وما أحببت ذلك قط فأن خطيبتي تنتظر أوبتي بفارغ
الصبر وهي أكرم على نفسي من هذه الفتاة التافهة الثرثارة التي لم يميزها الله إلا بمظاهر الجمال المبتذل لا
يلبث أن يتبخر أثره في الهواء . ومهما يكن من الأمر فلن ينقضي أسبوع حتى تكون الآنسة عائدة في
طريقها إلى حيث ألقت "
قرأ جميع هذه الرسائل – رسائل صديقه وقاتله – بإمعان شديد
وكانت تتسلط على نفسه في ذلك الوقت عاطفتان : عاطفة حزن عميق وشعور حاد بالخيبة
والغيرة واﻧﻬيار الأمل جعلت ه لا يذوق لذة في اليقظة ولا راحة في السهاد وعاطفة تشف وانتقام أن تنتهي
ﺑﻬا الخيانة إلى مثل ما انتهت به الحال من خيبة أمل واﻧﻬيار صرح سعادة...
ولم يفرط في واحدة من هذه الرسائل التي سجلت تاريخ أكبر هزة عنيفة امتحن ﺑﻬا شبابه فجمعها
في رزمة وحفظها في حق عاجي جميل ووضعها في مكان أمين وأنتظر...
جاءته رسالة مقتضبة من عائدة نفسها تعلنه بقدومها وترجو أن يذهب للقاؤها في موعدهما
المعهود عند العصر...
وفكر في أمره طوي ً لا تفكير من تسيطر عليه عاطفة مسمومة ونفس جريحة حتى أنتهي من أمره إلى
تدبيرفذهب إلى الموعد في الساعة الم عهودة ولم ينتظر هذه المرة لأنه وجدها في انتظاره واستقبلته بيدين
مفتوحتين وابتسامة مشرقة فضمها بين ذارعيه ولثم شفتيها وهو يبتسم ابتسامة كلفته غال يًا من الجهد
وضبط النفس.
وجلسا إلى نفسيهما كما كانت يفعلان في الأيام الخوالي السعيدة وسمعها تقول بفرح فائض:
"وأخيرًا"
فردد قولها : "وأخيرًا " ثم نظر إليها بعينين مبتهجتين تخفيان دهشة وقال لنفسه : يا عج بًا !ما
أقدركن أيتها النساء على إخفاء مشاعركن وتكلف ما ليس بكن !
وانطلقت هي تقول:
"أتستطيع أن أخبرك كم ثانية غبتها عني طوالي هذه المدة الثقيلة لا أرجعها الله ".
"الذي يبدو لي أن استغراقك في حساب الزمن شغلك في الكتابة إلى.
"أتسخر مني ... آه لو تعلم كم كانت تكلفني الرسالة أكتبها إليك ! .. كنت أتسلل إلى مكان
قصي بالبيت كي أخفي نفسي عن أعين أبناء عمي ... فيجدون في أثري ويبددون عزلتي ويفزعون
أخيلتي المنسجمة وعواطفي الحارة فإذا انتهيت منها اخترت كيف أسلمها إلى صندوق البريد".
"ألم يكن الخروج هينًا عليك..."
"أحيانًا مع عمى".
"لم لم تخرجي في الصباح وعمك في عمله والجو خال ؟ ..."
"لو فعلت لكان أمرًا مثيرًا... والشبان هناك جائعون أراذل عديمو الشرف..."
“يا سلام...!"
"نعم يا عزيزي..."
فهز كتفيه وقال وهم ينعم فيها النظر:
"أرى عذرهم بينا ... فمن يطالع هذا الوجه الجميل ولا يقه ر على الحب قلبه ولكن ماذا صنعوا
معك حتى استحقوا عندك هذا الحكم القسي ؟"
فصمتت لحظة ثم قالت:
"أﻧﻬا صغائر مألوفة لاينى عنها الشبان ... ولكنها ليست بذي بال ... فلندع هذا الآن .. فاعتقادي
أنه لدينا ما يلذ لنا حديثه أكثر من هذا..."
“طبعًا... طبعًا... ولكن وا أسفاه قد قدر على أن أحرم هذه اللذة الليلة ... لأن أمي مريضة
وينبغي أن أكون إلى جانبها سريعًا فلنؤجل هذا الحديث الممتع إلى المرة القادمة.
فنظرت إليه قلقة وسألت:
"مالك ؟ لست كع هدي بك ! تقول أن أمك مريضة ؟ لا باس عليها ... أمضطر أنت إلى
الذهاب إلها حا ً لا ؟"
أنه يحس برغبة شديدة تدفعه إلى الانفجار لينفس عن صدره بعض غليانه المكتوم وحقده المدفون
ويود لو يجبه هذا الرياء بما يمزق قناعه ويهتك ستره ويفضح شناعته لو فعل ما جنى على الرحمة و العدالة
فمن حقه أن يصب جام غضبه ويثأر لآلام قلبه ويمحق الخيانة والمكر السيئ.
ولكنه كان قد أنتهي من أمره إلى مرفأ لا يريم عنه وكان بطبعه هادئا رزينا كتومًا يبذ فيه العقل
الهوى وتتغلب لديه الحكمة على الثورة فغالب دواعي الغضب في نفسه حتى اسكنها وقال ﺑﻬدوء
غريب:
"أني تعب مهموم مكدود الذهن ولولا شدة توقي لرؤيتكما هان علىّ أن أغادر أمي وهي طريحة
الفراش... فلنفرغ من هذا اللقاء ولو على مضض ... والآن اسمحي لي أن أقدم إليك هدية جميلة : هذا
الحق العاجي ... ورجائي ألا تمسّيه إلا حين خلوتك إلى نفسك في غرفتك لتحظى بالمفاجأة السعيدة في
غيبة عن أعين الرقباء.. و إلى اللقاء القريب أيتها الحبيبة.

انتهى