هيفاء الزامل
09-02-2008, 04:41 AM
أقصوصة مصرية
"هذه أول أزمة تصيب حبنا نعم طالما آلمني الفراق الهين وأجهدني الشوق إلى اللقاء وعذبني
الدلال؛ أما الوداع أما الرحيل إلى قنا فهذا أمر جديد يدفع إلى نفسي شعورا بالحزن لا عهد لها به فهلا
عدلتِ عن هذا السفر....؟"
"لو كان ا لأمر إلى ما رغبت نفسي أدنى رغبة في السفر فما أحفل بقضاء الشتاء في أعلي الصعيد
بعض احتفالي بالقرب منك كيما أواصل هذا اللقاء السعيد؛ ولكن ما حيلتي وهذا ما يريد ه أبى ويفعله
منذ أحيل إلى المعاش. ولقد اعتاد أن يمضي شهرًا أو شهرين من الشتاء في قنا عند عمي الدكتور..".
"يستطيع عقلي أن يتصور المعجزات ولكن لا أستطيع أن أتصور ما عسى أن تكون عليه حياتي
هذين الشهرين فهذا الحب غدًا حياة لشعوري وهذا اللقاء أمسي ألفة لنفسي أجد فيها راحة بعد تعب
وعزاء عن شوق دائم فما عسى أن أصنع.”كيف.ما يكون زادي وسلوتي...؟"
فوضعت يدا خمرية ناعمة على كتفه وداعبت بأطراف أناملها خده وهمست في أذنه:
"هذا شعوري وهذا حزني ولولا كراهيتي للعزاء لنصحت لك بالتعزي والتلهي ف ليس أمامنا سوى
الصبر الجميل حتى ينطوي دهر الفراق ويتصل حبل اللقاء... ومع هذا فما أسعدك وما أبأسني.. ."
"كيف....؟"
"لن أسعد بقراءة كلمة لك طوال مدة غيابي لأنك لا تستطيع أن تكتب إلى أما أنت فتستطيع أن
تطلع على همسات روحي كلما مكنتني الفرص من اختلاس الكتابة إليه.... فأينا أسعد حظا...؟"
"من تؤاتيه فرص التعبير فيخفف عن مراجل عاطفته".
وهنا ظللت وجهه سحابة كدر وسألها بعد تردد:
"هل لك أبناء عم ؟ ....."
فابتسمت ابتسامة دلت على أﻧﻬا سرت للقلق الذي بعث هذا السؤال وأجابته:
"نعم لى .... ولكنهم لم يجاوزوا عهد الطفولة لو كان الأمر كما تتوهم ما أوجب أدنى خوف أيها
الرعديد الغيور ... والآن هات فمك أودعك... وهيا نقول معًا هذه الكلمة المروعة التي تفرع لها
القلوب:
"أستودعك الله...."
من الغد يصبح له في قنا حبيبان عزيزان : حبيبة القلب عائدة، وصديق الصبا وزميل عهد الدراسة
الأستاذ أحمد مرزوق المدرس بمدرسة قنا ولكنه بينما يتصل بصديقه بالكتابة فهو محروم بحكم الظروف
من تمام هذا الاتصال الروحي بحبيبته لأن حبهما ما يزال سرا خفيًا لما يَدْر بأمره الأهل...
وانقضت أربعة أيام على سفر عائدة ثم وصله منها كتاب جاء فيه:
"حبيبي حسنى !
أعجب لهذه الوحشية كيف تجثم على صدري وأنت معي ... نعم أنت معي لم تفارقني لحظة سواء
في ضجيج النهار أو في سكون الليل؛ معي وأنا أرسل الطرف من نافذة ا لقطار أشاهد الحقول الممتدة
وأشجار النخيل المبعثرة؛ معي وأنا بين أهل عمي أتلقى الأحاديث وارد عليها وأضاحك هذا وأسمع
لذاك؛ معي في كل مكان وكل حين فلا عجب لنفسي بعد ذلك أن هزها الحنين إليك أو استشعرت
وحشة وضيقًا في البعد عنك، أو ألهبها الشوق عذابًا وجوى.
وأرجو ألا تتهمني بالتكاسل عن الكتابة إليك فبيت عمي عامر بالأطفال وهم لا يتركونني لحظة
أخلو إلى نفسي؛ وقد انبعثت كلمات هذا الكتاب من شعوري وامتلأ ﺑﻬا عقلي وتمثلت في حواسي
وحفظتها عن ظهر قلب قبل أن تؤاتيني الفرص فأسطرها لك خلسة على ضوء القمر المتسلل من نافذة
حجرتي والعيون قد أغمضها عني المنام .فاعذرني أن أن تأخرت عنك رسائلي وارجع أن شئت إلى قلبك
فاعتقادي أنه يملى عليك عن لساني ما أحب أن أقوله لك دائمًا.
أما عن قنا فجوها دافئ جميل وخلا ذلك فنحن في منفي ولولا ما يربح ه أبي فيها من صحة وعافية
ما تركته يسكن إليها لحظة من الزمان ".
فأخذ من الكتاب كل ما استطاع أن يمنحه من العزاء والسلوى والسعادة.
وكان صديقه مرزوق لا نقطع عن مراسلته وأن خلت كتابته من الطرافة والجدة فهي التحيات
المحفوظة وبث الأشواق والتلهف على أدبار العام الدراسي وإقبال العطلة الصيفية إلا أنه أضاف إلى
هذه المحفوظات في آخر كتاب له ما نصه:
"طالما قلت لك أني أعيش في قنا كما عاش أبونا آدم قبل أن يخلق الله منه أمنا حواء لا يقع بصري
على وجه امرأة قط وأن كنت أرى أحيانًا بعض الأصدقاء يشيرون إلى كتلة من الثياب السوداء الملفوفة
تسير كعمود من الدخان الكثيف وأسمعهم ي قولون: أنظر إلى المرأة ... ولكن وقع بالأمس ما يعد حد ثًا
تاريخيًا في حياة قنا إ ذ حضر الدكتور سامي حسني مفتش الصحة إلى البستان العمومي وفي صحبته غادة
جميلة سافرة الوجه فهز البلد وزلزل كياﻧﻬا . أنه رجل جسور لا يعبأ بآراء المتزمتين وتجده دائمًا على
استعداد للرد على تطفل المتطفلين بما يجعله مث ً لا وعبرة ولم يلبث أن شاع الخبر وملأ الأسماع فهرع
الشبان الموظفون من مدرسين ومهندسين وكتبة إلى البستان وهم يسوون أربطة الرقبة ويحكمون أوضاع
الطربوش على رؤوسهم فلو رأيت البستان حيث ذاك لحسبته حديقة غناء في مصر الجديدة أو قصر
النيل.
أﻧﻬا شابة جميلة تحمل في طياﺗﻬا عطر القاهرة العبق فليهنأ قفر قنا ﺑﻬذا القطر العذب...."
فخفق قلبه لدى مطالعة الكتاب ولم يداخله أدنى شك في معرفة صاحبة الشخصية الجميلة التي
أثارت لوعة الشباب في قنا.
يا له من كلام يحمل فر حًا وألمًا والألم فيه أكثر ! أيجوز أن تسعد قنا ومن فيها بحبيبته ويبقى هو في
القاهرة تسيل نفسه حسرات عليها...
وهم أن يكتب لصديقه كتابًا يعلنه فيه بأن الفتاة التي هز مقدمها قنا هي حبيبته اليوم ثم خطيبته
وزوجه غدًا ولكنه جفل من هذا الإعلان ووجد رغبة خفية أن يكتمه إياه وأن يطلب منه أنت يوافيه
بأخبارها التي تستحق الرواية والحديث.
لقد تردد لحظة وطرح على نفسه هذا السؤال: ألا يعد هذا تجسسًا منه على حبيبته؟
وهل يجوز هذا في شرع المحبين ؟ ... أو ليس الأفضل أن يربأ بنفسه عن أن يضع صاحبته موضع
الاﺗﻬام والظنة ؟...
ولكن عاطفة الندم هذه لم تستطع أن تقهر عو اطف قلبه الجياشة السوداء فطردها من نفسه
وكتب إلى صديقه بما أملت شكوكه من بادئ الأمر.
وبعد حين وصله كتاب ثان من صديقه جاء فيه عن عائدة مايلي:
"تغيّر كل شئ في قنا وكل شئ في حياتي . لم تعد قنا قبرًا موحشًا فاغرًا فاه مكشرًا عن أنيابه؛ ولم
تعد حياتي سأمًا ثقي ً لا متص ً لا. كيف لا يكون هذا وأنا مطمئن إلى أني سأحظى أصيل كل يوم برؤية
ذلك الوجه السافر المبتسم الذي يحيى موات النفوس ويبعث مصفر الأمل... ما أجملها وما أعذﺑﻬا...
علمت الآن أﻧﻬا ابنة أخو مفتش الصحة، أو هذا ما علمته قنا عامة وعلمه شباﺑﻬا خاصة . أن جميع
العيون ت لتهمها التهام الجوع فلعل هذه الضجة تثير الغيرة في نفوس الآباء الموظفين فتشجعهم على
الاستهتار بتقاليد الصعيد وأهليه وإبراز بناﺗﻬم للعيان ومهما يكن من الأمر فنحن الرابحون.
لا تخشى على أخيك من قهر، فهو بطل صنديد وشخصية لا يشق لها غبار وأن عينىّ لتنفذان من
بين العيون جميعًا وتجذبان عينيها إلى فصبرًا ولتعلمن بعد حين في أي مخبأ من مخابئ القدر كانت تنتظره
هذه المفاجآت ! ..."
ما هذا الذي يقول مرزوق من أن عينيه تجذبان إليه عينيها ؟ . أن لعيني مرزوق أن تجذبا كيف
تشاءان. أما عينا صاحبته فما بالهما تنجذبان وتستجيبان ؟ ... هلا يكون ذلك مجرد نظر برئ فسره
صديقه على ما يهوى غروره ويحب ؟ .... أنه لا يشك أبدًا في إخلاص عائدة ولكن ينبغي ألا ينسى
أن لصاحبه عينين جميلتين يحس الناظر إليهما سخونة في أعصابه ولذعة في قلبه وهو – إلى ذلك –
مدرس محترم من حملة الدبلومات العالية ومن ذوي المستقبل السعيد . أما هو فلم يزد على أن يكون
موظفًا صغيرًا كل مؤهلاته شهادة البكالوريا ومستقبله مظلم محدود أفلا يكون لجميع هذه الفوارق أثر
في الحب ؟ ...
أنه يشعر بحزن عميق يخيم على نفسه فيجعلها من الكآبة كنفس هرم متشائم ويحي بسم الغيرة
ينطلق من قلبه ويلوث دمه... أواه... أن أحلامه وآماله تترجح على كف رجيم...
وفي ذلك الوقت أتاه كتاب من عائدة فأنكب عليه بلهفة وتلاه مرة بعد أخرى ولم يكن يخرج في
معناه عن رسالتها الأولى فتزعزعت شكوكه وعاودته الثقة وذاق بعض الطمأنينة والشفاء، وجمّل غرور
صديقه إثم ما جنى عليه كتابه من الشك والعذاب، ولكنه تسلم رسالة من صديقه بعد ذلك بأسبوع
جاء فيها:
"كن على يقين من أن العاطفة النامية لم تعد قاصرة على جانب واحد فعين ا الفتاة – واسمها عائدة
– تقتحمان الحاضرين من الشبان وتستقران علىّ أنا . أني أطالع في وجهها عند حضوري سيما الشوق
والتطلع تح اول أن تخفيها بعدم اكتراث مفتعل وأقر أ في عينيها استجابات خفيفة لرسائلي الصامتة الملتهبة
واستشف أحيانًا على فمها ابتسامات خفيفة ولعلها تخاطب عمها أو أحد أبنائه الصغار بصوت
مسموع وعي تعنيني . لا تدهش لأقوالي هذه فأني أطاردها في إصرار وأتتبعها في عناء وأخاطبه ا بصوت
مكتوم تنبئ عنه شفتاي المتحركتان وابعث إليها بإشارات الشكوى والرجاء وقد اقتربت منى مرة وهي
تلاعب كفلا من أبناء عمها وسمعتها تقول له أو لي أن شئت : " دائمًا في أعقابي فماذا تصنع لو رجعت
إلى مصر ؟ ....”. فقلت لها ﺑﻬمس مسموع : " لعلك لا تعودين ...." أﻧﻬا ك لمة ذات مغزى خاص إذا
قالها شاب أعزب موظف مثلي . وقد كان لها الأثر الجميل . والآن أفتني فأنك خبير طبيب عالم بأحوالي
هل أقدم أم حسبي ما ذقت من لذة بريئة وأولى ظهري ودًا لن ينتهي بالتئام ...؟ أن ثمرة الحب ناضجة
دانية تنتظر من يقطفها فما رأيك ؟ ...."
== يتبع ==
"هذه أول أزمة تصيب حبنا نعم طالما آلمني الفراق الهين وأجهدني الشوق إلى اللقاء وعذبني
الدلال؛ أما الوداع أما الرحيل إلى قنا فهذا أمر جديد يدفع إلى نفسي شعورا بالحزن لا عهد لها به فهلا
عدلتِ عن هذا السفر....؟"
"لو كان ا لأمر إلى ما رغبت نفسي أدنى رغبة في السفر فما أحفل بقضاء الشتاء في أعلي الصعيد
بعض احتفالي بالقرب منك كيما أواصل هذا اللقاء السعيد؛ ولكن ما حيلتي وهذا ما يريد ه أبى ويفعله
منذ أحيل إلى المعاش. ولقد اعتاد أن يمضي شهرًا أو شهرين من الشتاء في قنا عند عمي الدكتور..".
"يستطيع عقلي أن يتصور المعجزات ولكن لا أستطيع أن أتصور ما عسى أن تكون عليه حياتي
هذين الشهرين فهذا الحب غدًا حياة لشعوري وهذا اللقاء أمسي ألفة لنفسي أجد فيها راحة بعد تعب
وعزاء عن شوق دائم فما عسى أن أصنع.”كيف.ما يكون زادي وسلوتي...؟"
فوضعت يدا خمرية ناعمة على كتفه وداعبت بأطراف أناملها خده وهمست في أذنه:
"هذا شعوري وهذا حزني ولولا كراهيتي للعزاء لنصحت لك بالتعزي والتلهي ف ليس أمامنا سوى
الصبر الجميل حتى ينطوي دهر الفراق ويتصل حبل اللقاء... ومع هذا فما أسعدك وما أبأسني.. ."
"كيف....؟"
"لن أسعد بقراءة كلمة لك طوال مدة غيابي لأنك لا تستطيع أن تكتب إلى أما أنت فتستطيع أن
تطلع على همسات روحي كلما مكنتني الفرص من اختلاس الكتابة إليه.... فأينا أسعد حظا...؟"
"من تؤاتيه فرص التعبير فيخفف عن مراجل عاطفته".
وهنا ظللت وجهه سحابة كدر وسألها بعد تردد:
"هل لك أبناء عم ؟ ....."
فابتسمت ابتسامة دلت على أﻧﻬا سرت للقلق الذي بعث هذا السؤال وأجابته:
"نعم لى .... ولكنهم لم يجاوزوا عهد الطفولة لو كان الأمر كما تتوهم ما أوجب أدنى خوف أيها
الرعديد الغيور ... والآن هات فمك أودعك... وهيا نقول معًا هذه الكلمة المروعة التي تفرع لها
القلوب:
"أستودعك الله...."
من الغد يصبح له في قنا حبيبان عزيزان : حبيبة القلب عائدة، وصديق الصبا وزميل عهد الدراسة
الأستاذ أحمد مرزوق المدرس بمدرسة قنا ولكنه بينما يتصل بصديقه بالكتابة فهو محروم بحكم الظروف
من تمام هذا الاتصال الروحي بحبيبته لأن حبهما ما يزال سرا خفيًا لما يَدْر بأمره الأهل...
وانقضت أربعة أيام على سفر عائدة ثم وصله منها كتاب جاء فيه:
"حبيبي حسنى !
أعجب لهذه الوحشية كيف تجثم على صدري وأنت معي ... نعم أنت معي لم تفارقني لحظة سواء
في ضجيج النهار أو في سكون الليل؛ معي وأنا أرسل الطرف من نافذة ا لقطار أشاهد الحقول الممتدة
وأشجار النخيل المبعثرة؛ معي وأنا بين أهل عمي أتلقى الأحاديث وارد عليها وأضاحك هذا وأسمع
لذاك؛ معي في كل مكان وكل حين فلا عجب لنفسي بعد ذلك أن هزها الحنين إليك أو استشعرت
وحشة وضيقًا في البعد عنك، أو ألهبها الشوق عذابًا وجوى.
وأرجو ألا تتهمني بالتكاسل عن الكتابة إليك فبيت عمي عامر بالأطفال وهم لا يتركونني لحظة
أخلو إلى نفسي؛ وقد انبعثت كلمات هذا الكتاب من شعوري وامتلأ ﺑﻬا عقلي وتمثلت في حواسي
وحفظتها عن ظهر قلب قبل أن تؤاتيني الفرص فأسطرها لك خلسة على ضوء القمر المتسلل من نافذة
حجرتي والعيون قد أغمضها عني المنام .فاعذرني أن أن تأخرت عنك رسائلي وارجع أن شئت إلى قلبك
فاعتقادي أنه يملى عليك عن لساني ما أحب أن أقوله لك دائمًا.
أما عن قنا فجوها دافئ جميل وخلا ذلك فنحن في منفي ولولا ما يربح ه أبي فيها من صحة وعافية
ما تركته يسكن إليها لحظة من الزمان ".
فأخذ من الكتاب كل ما استطاع أن يمنحه من العزاء والسلوى والسعادة.
وكان صديقه مرزوق لا نقطع عن مراسلته وأن خلت كتابته من الطرافة والجدة فهي التحيات
المحفوظة وبث الأشواق والتلهف على أدبار العام الدراسي وإقبال العطلة الصيفية إلا أنه أضاف إلى
هذه المحفوظات في آخر كتاب له ما نصه:
"طالما قلت لك أني أعيش في قنا كما عاش أبونا آدم قبل أن يخلق الله منه أمنا حواء لا يقع بصري
على وجه امرأة قط وأن كنت أرى أحيانًا بعض الأصدقاء يشيرون إلى كتلة من الثياب السوداء الملفوفة
تسير كعمود من الدخان الكثيف وأسمعهم ي قولون: أنظر إلى المرأة ... ولكن وقع بالأمس ما يعد حد ثًا
تاريخيًا في حياة قنا إ ذ حضر الدكتور سامي حسني مفتش الصحة إلى البستان العمومي وفي صحبته غادة
جميلة سافرة الوجه فهز البلد وزلزل كياﻧﻬا . أنه رجل جسور لا يعبأ بآراء المتزمتين وتجده دائمًا على
استعداد للرد على تطفل المتطفلين بما يجعله مث ً لا وعبرة ولم يلبث أن شاع الخبر وملأ الأسماع فهرع
الشبان الموظفون من مدرسين ومهندسين وكتبة إلى البستان وهم يسوون أربطة الرقبة ويحكمون أوضاع
الطربوش على رؤوسهم فلو رأيت البستان حيث ذاك لحسبته حديقة غناء في مصر الجديدة أو قصر
النيل.
أﻧﻬا شابة جميلة تحمل في طياﺗﻬا عطر القاهرة العبق فليهنأ قفر قنا ﺑﻬذا القطر العذب...."
فخفق قلبه لدى مطالعة الكتاب ولم يداخله أدنى شك في معرفة صاحبة الشخصية الجميلة التي
أثارت لوعة الشباب في قنا.
يا له من كلام يحمل فر حًا وألمًا والألم فيه أكثر ! أيجوز أن تسعد قنا ومن فيها بحبيبته ويبقى هو في
القاهرة تسيل نفسه حسرات عليها...
وهم أن يكتب لصديقه كتابًا يعلنه فيه بأن الفتاة التي هز مقدمها قنا هي حبيبته اليوم ثم خطيبته
وزوجه غدًا ولكنه جفل من هذا الإعلان ووجد رغبة خفية أن يكتمه إياه وأن يطلب منه أنت يوافيه
بأخبارها التي تستحق الرواية والحديث.
لقد تردد لحظة وطرح على نفسه هذا السؤال: ألا يعد هذا تجسسًا منه على حبيبته؟
وهل يجوز هذا في شرع المحبين ؟ ... أو ليس الأفضل أن يربأ بنفسه عن أن يضع صاحبته موضع
الاﺗﻬام والظنة ؟...
ولكن عاطفة الندم هذه لم تستطع أن تقهر عو اطف قلبه الجياشة السوداء فطردها من نفسه
وكتب إلى صديقه بما أملت شكوكه من بادئ الأمر.
وبعد حين وصله كتاب ثان من صديقه جاء فيه عن عائدة مايلي:
"تغيّر كل شئ في قنا وكل شئ في حياتي . لم تعد قنا قبرًا موحشًا فاغرًا فاه مكشرًا عن أنيابه؛ ولم
تعد حياتي سأمًا ثقي ً لا متص ً لا. كيف لا يكون هذا وأنا مطمئن إلى أني سأحظى أصيل كل يوم برؤية
ذلك الوجه السافر المبتسم الذي يحيى موات النفوس ويبعث مصفر الأمل... ما أجملها وما أعذﺑﻬا...
علمت الآن أﻧﻬا ابنة أخو مفتش الصحة، أو هذا ما علمته قنا عامة وعلمه شباﺑﻬا خاصة . أن جميع
العيون ت لتهمها التهام الجوع فلعل هذه الضجة تثير الغيرة في نفوس الآباء الموظفين فتشجعهم على
الاستهتار بتقاليد الصعيد وأهليه وإبراز بناﺗﻬم للعيان ومهما يكن من الأمر فنحن الرابحون.
لا تخشى على أخيك من قهر، فهو بطل صنديد وشخصية لا يشق لها غبار وأن عينىّ لتنفذان من
بين العيون جميعًا وتجذبان عينيها إلى فصبرًا ولتعلمن بعد حين في أي مخبأ من مخابئ القدر كانت تنتظره
هذه المفاجآت ! ..."
ما هذا الذي يقول مرزوق من أن عينيه تجذبان إليه عينيها ؟ . أن لعيني مرزوق أن تجذبا كيف
تشاءان. أما عينا صاحبته فما بالهما تنجذبان وتستجيبان ؟ ... هلا يكون ذلك مجرد نظر برئ فسره
صديقه على ما يهوى غروره ويحب ؟ .... أنه لا يشك أبدًا في إخلاص عائدة ولكن ينبغي ألا ينسى
أن لصاحبه عينين جميلتين يحس الناظر إليهما سخونة في أعصابه ولذعة في قلبه وهو – إلى ذلك –
مدرس محترم من حملة الدبلومات العالية ومن ذوي المستقبل السعيد . أما هو فلم يزد على أن يكون
موظفًا صغيرًا كل مؤهلاته شهادة البكالوريا ومستقبله مظلم محدود أفلا يكون لجميع هذه الفوارق أثر
في الحب ؟ ...
أنه يشعر بحزن عميق يخيم على نفسه فيجعلها من الكآبة كنفس هرم متشائم ويحي بسم الغيرة
ينطلق من قلبه ويلوث دمه... أواه... أن أحلامه وآماله تترجح على كف رجيم...
وفي ذلك الوقت أتاه كتاب من عائدة فأنكب عليه بلهفة وتلاه مرة بعد أخرى ولم يكن يخرج في
معناه عن رسالتها الأولى فتزعزعت شكوكه وعاودته الثقة وذاق بعض الطمأنينة والشفاء، وجمّل غرور
صديقه إثم ما جنى عليه كتابه من الشك والعذاب، ولكنه تسلم رسالة من صديقه بعد ذلك بأسبوع
جاء فيها:
"كن على يقين من أن العاطفة النامية لم تعد قاصرة على جانب واحد فعين ا الفتاة – واسمها عائدة
– تقتحمان الحاضرين من الشبان وتستقران علىّ أنا . أني أطالع في وجهها عند حضوري سيما الشوق
والتطلع تح اول أن تخفيها بعدم اكتراث مفتعل وأقر أ في عينيها استجابات خفيفة لرسائلي الصامتة الملتهبة
واستشف أحيانًا على فمها ابتسامات خفيفة ولعلها تخاطب عمها أو أحد أبنائه الصغار بصوت
مسموع وعي تعنيني . لا تدهش لأقوالي هذه فأني أطاردها في إصرار وأتتبعها في عناء وأخاطبه ا بصوت
مكتوم تنبئ عنه شفتاي المتحركتان وابعث إليها بإشارات الشكوى والرجاء وقد اقتربت منى مرة وهي
تلاعب كفلا من أبناء عمها وسمعتها تقول له أو لي أن شئت : " دائمًا في أعقابي فماذا تصنع لو رجعت
إلى مصر ؟ ....”. فقلت لها ﺑﻬمس مسموع : " لعلك لا تعودين ...." أﻧﻬا ك لمة ذات مغزى خاص إذا
قالها شاب أعزب موظف مثلي . وقد كان لها الأثر الجميل . والآن أفتني فأنك خبير طبيب عالم بأحوالي
هل أقدم أم حسبي ما ذقت من لذة بريئة وأولى ظهري ودًا لن ينتهي بالتئام ...؟ أن ثمرة الحب ناضجة
دانية تنتظر من يقطفها فما رأيك ؟ ...."
== يتبع ==